من مصادرة الكتاب إلى سؤال الدولة: قراءة في ترند حفريات الثقافي الرائج
يشهد الوسط الثقافي العربي اليوم نقاشاً واسعاً حول مسار الكتاب والرقابة، وذلك بعد انتشار ترند «من مصادرة الكتاب إلى سؤال الدولة» الذي أطلقته منصة حفريات (Hafryat). ليس الترند مجرد خبر عابر، بل هو إعادة فتح لملف طويل في تاريخ الثقافة العربية، حيث تتحول العلاقة مع الكتاب من أداة للمعرفة إلى ميدان للصراع الفكري والسياسي. وفي هذا المقال، نقرأ لماذا عاد هذا السؤال إلى الواجهة الآن، وما الذي يعنيه للقارئ العربي في عام 2026.
لماذا عاد سؤال مصادرة الكتاب اليوم؟
يأتي هذا الترند في توقيت دقيق، بعد سنوات من التحولات الرقمية الكبرى التي جعلت الكتاب الإلكتروني والمسموع بديلاً عملياً عن الورقي. لكن الجديد اليوم ليس في وسيلة النشر، بل في السؤال نفسه: من يملك الحق في تقييد الفكرة؟ فبينما كانت المصادرة في الماضي تتم بقرارات إدارية صارمة، أصبح السؤال اليوم أكثر تعقيداً، إذ تتداخل فيه الدولة مع المجتمع، والسلطة مع منصات التواصل، والرقابة الرسمية مع الضغوط الأهلية.
الترند الذي أطلقه موقع حفريات يلخص هذه الإشكالية في عبارة واحدة: لقد انتقلنا من مرحلة «مصادرة الكتاب» إلى مرحلة «سؤال الدولة» عن دوره في ضبط المشهد الثقافي. وهذا التحول ليس نظرياً، بل نلمسه في الجدل الدائر حول معارض الكتب، وترندات القراءة، ومواقف الناشرين من الحذف أو التعديل.
ما الذي يعنيه هذا الترند للقارئ العربي؟
بالنسبة للشاب العربي الذي يتابع الترندات، فإن هذا الموضوع ليس بعيداً عن يومه. فالكثير من القراء يتساءلون اليوم: هل أستطيع قراءة أي كتاب أريده؟ هل تختلف المعايير بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني؟ وهل أصبحت المنصات العالمية مثل أمازون وجوجل بديلاً عن الرقيب التقليدي؟ هذه الأسئلة تلامس الواقع اليومي، خاصة مع انتشار الروايات المترجمة والكتب المثيرة للجدل في المكتبات العربية.
ويقدم ترند حفريات إجابة جزئية، مفادها أن الدولة العربية المعاصرة باتت أكثر وعياً بأهمية الثقافة كأداة ناعمة للتأثير، لذلك لم تعد المصادرة المباشرة هي الأداة الأولى، بل صارت تسعى إلى احتواء النقاش عبر مبادرات مثل ترجمات رسمية، وجوائز وطنية للقراءة، ومراكز دراسات تقدم قراءات معتدلة. هذا التحول من «المنع» إلى «التوجيه» هو جوهر ما تطرحه الحفريات في ترندها الرائج.
ماذا نتعلم من هذا النقاش؟
- الكتاب ليس عدواً: مهما كان الكتاب مثيراً للجدل، فإن قراءته ومناقشته خير من مصادرته وتحويله إلى نص ممنوع يتداوله الناس سراً.
- سؤال الدولة مشروع: من حق أي مجتمع أن يسأل عن دور الدولة في حماية القيم العامة، شرط ألا يتحول السؤال إلى أداة لقمع الأصوات المخالفة.
- الثقافة الرقمية تغير المعادلة: مع انتشار الكتب المسموعة والإلكترونية، أصبح من الصعب فرض رقابة كاملة، وهو ما يجعل الحوار بديلاً أكثر فاعلية من المنع.
كيف تتفاعل منصات أخرى مع هذا الترند؟
لم يقتصر التفاعل على موقع حفريات، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث دشن النشطاء وسم «#من_مصادرة_الكتاب_إلى_سؤال_الدولة» وتداولوا صور أغلفة الكتب الممنوعة قديماً، مع مقارنتها بالوضع الحالي. كما شارك ناشرون عرب بتجاربهم حول تعديل مقتطفات من رواياتهم بناءً على طلب جهات رقابية، وهو ما أثار تساؤلات حول حدود التنازل لصالح النشر.
هذا التفاعل يشير إلى أن الجمهور العربي، خاصة فئة الشباب، أصبح أكثر وعياً بحقوقه في القراءة والمعرفة، وأكثر استعداداً لمناقشة هذه القضايا بجرأة، لكن دون الدخول في صدام مباشر مع السلطات. إنه نقاش متزن، يجمع بين الجرأة والمسؤولية، وهو ما يفسر انتشاره بهذا الشكل الواسع.
وجهة نظر الكاتب: نحو ثقافة قراءة ناضجة
في رأيي، أن هذا الترند فرصة ذهبية لإعادة التفكير في علاقتنا بالكتاب. فبدلاً من الانشغال بمسألة المصادرة أو الرقابة، يمكننا التركيز على بناء ثقافة قراءة نقدية قادرة على فرز الأفكار بنفسها. القارئ العربي اليوم، بفضل الانفتاح الرقمي، أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى مصادر متعددة، وهو ما يجعله أقل اعتماداً على القوائم الرسمية أو غير الرسمية.
لذلك، فإن الرسالة التي نستخلصها من ترند «من مصادرة الكتاب إلى سؤال الدولة» هي أن الكتاب سيبقى منتصراً في النهاية، لأن الفكرة لا تموت بالمصادرة، بل تنتشر أكثر. وما على القارئ العربي إلا أن يمارس دوره بوعي، وأن يطالب بحقوقه في الوصول إلى المعرفة، مع احترام خصوصية مجتمعه وقيمه.
في النهاية، يبقى هذا الترند مؤشراً على أن الثقافة العربية تجدد أسئلتها باستمرار، وأن الكتاب سيظل شريكاً أساسياً في هذه الأسئلة، سواء كان ورقياً أو إلكترونياً، مقروءاً أو مسموعاً، وسواء عاش في الرفوف أو في السحابة الرقمية.